- أحمد بن سلمان الأستاديُعدّ أحمد بن سلمان الأستاد أشهر صانع سفن شراعية عرفته الكويت والخليج العربي في القرن العشرين، وأحد الرجال الذين بنوا مجد الكويت البحري لوحاً بعد لوح. فقد ارتبط اسمه بالعصر الذهبي الذي كانت فيه المراكب الكويتية تجوب موانئ الهند وشرق أفريقيا، وأسّس مدرسة كاملة في بناء السفن خرّجت أجيالاً من الأستادية والقلاليف الذين حملوا الحرفة من بعده.

من هو أحمد بن سلمان الأستاد؟ النشأة والأسرة
وُلد أحمد بن سلمان الأستاد في الحي الشرقي من مدينة الكويت، في فريج البحارنة، وتشير أغلب الروايات إلى أن مولده كان عام 1884م بينما ترجّح مصادر أخرى عام 1890م. نشأ في بيت لا تفارقه رائحة الخشب والقار، فقد ورث حرفة بناء السفن الشراعية عن والده الحاج سلمان، وتعلّم على يديه أصول القياس والنحت وتقويس الأضلاع قبل أن يشتدّ عوده.
وقد رُزق بأربعة أبناء هم فردان وسلمان وعبدالمحسن وجاسم، وأربع بنات. وسار ابنه فردان على خطاه حتى صار واحداً من أسماء الصناعة المعروفة في الكويت، فامتدّ بذلك خط المهنة داخل الأسرة جيلاً بعد جيل.
ماذا يعني لقب «الأستاد» في صناعة السفن الكويتية؟
«الأستاد» في العرف البحري الكويتي هو المهندس الأول للسفينة: الرجل الذي يرسم هيكلها في ذهنه بلا مخططات ورقية، فيحدد طولها وعرضها وميل مقدمتها وانحناء أضلاعها، ثم يقود فريق العمل خطوة بخطوة. أما «القلاليف» فهم الحرفيون الذين ينفّذون: ينشرون الخشب، ويثبّتون الألواح، ويحشون الفواصل بالقطن والقار حتى لا يتسرّب الماء.
وكان الأستاد الماهر يُقاس بعدد السفن التي خرجت من عمارته وبقدرتها على الصمود في البحر المفتوح، لا بشهادة يحملها. ولمزيد من التفاصيل عن هذه الحرفة وتطورها يمكن الاطلاع على تاريخ صناعة السفن في الكويت.
عمارة بناء السفن وبداية مسيرة الأستاد المهنية
في مطلع العشرينيات من القرن الماضي أسّس أحمد بن سلمان الأستاد عمارة كبيرة لبناء السفن على ساحل الكويت، تألفت من ثلاث عمارات صغيرة متجاورة، وعمل فيها عدد كبير من القلاليف والمساعدين. وكانت العمارة ورشةً ومدرسةً في آن واحد: فيها تُبنى السفن، وفيها يتدرّب الصبيان على المهنة من أول مسمار.
وحرص على أن تتصف سفنه بالمتانة والقوة لتصمد في مختلف الظروف الطبيعية، فذاع صيته حتى تجاوز الكويت إلى سواحل الخليج العربي كلها، وصار التجار والنواخذة يقصدونه لبناء سفن الغوص والسفر وصيد الأسماك وسفن الشحن ونقل البضائع. وكانت هذه السفن عصب الاقتصاد قبل النفط، كما يوضّح مقال اقتصاد الكويت قديماً.
لقب «خان صاحب» ودور أحمد بن سلمان الأستاد في الحرب العالمية الثانية
مع اشتعال الحرب العالمية الثانية احتاج الحلفاء إلى وسائل نقل بحرية عاجلة في شمال الخليج، فكانت عمارة الأستاد أحد الحلول القريبة. ففي عام 1942م جرت مفاوضات في القنصلية البريطانية بالكويت بينه وبين المهندس الأمريكي الكابتن دانتيلمان لتجميع سفن «البارجيز»، ثم توالت العقود في العام التالي لتجميع «البونتونز» و«الهيجينز» و«الجولي بوت»، إضافة إلى الجسور البحرية في منطقة شط العرب.
وتقديراً لهذا الدور نال لقب «خان صاحب» — وهو لقب تشريفي كانت تمنحه بريطانيا لأعيان المنطقة — وحظي بتكريم من الحكومة البريطانية عام 1946م. وقد يرد اللقب في بعض المصادر مكتوباً «خان صالح»، والصواب «خان صاحب».
ولم يكن حضوره محصوراً في الورشة؛ فقد عُدّ من الوجوه الاجتماعية والتجارية المعروفة في تقارير تلك المرحلة، ودُعي إلى مناسبات رسمية كبرى، وعُرف كذلك بأعماله الخيرية وتبرعاته لمستوصف دار الاعتماد الخيري ولقضايا عربية في زمنه.
أشهر السفن التي بناها أحمد بن سلمان الأستاد
بنى الأستاد سفناً لم يُبنَ مثلها في الكويت من قبل، من حيث الحجم ودقة الصنعة، ومن أشهرها:
- مركب الغانم.
- بوم عبدالعزيز القطامي، وبوم يوسف بن عيسى القطامي.
- جالبوت حجي سليم، وجالبوت الدبوس.
- بوم عبدالكريم أبو الملح، وبوم القضيبي، وبوم بوقماز.
- بوم قطاع جاسم العمر، وبوم علي يونيان.
- سفن شركة النقل والتنزيل المعروفة بـ«حمال باشي»، وقد بُنيت على هيئة قريبة من البوم.
- بلم «فتح الخير» وبوم «توفيق الكريم»، وهما من السفن التي وردت في وثائق بريطانية من ثلاثينيات القرن الماضي.
وقد كان لهذه السفن دور مباشر في رحلات الغوص وتجارة اللؤلؤ التي قامت عليها البلاد، وهو ما يفصّله مقال أهمية اللؤلؤ في الكويت.
يخوت الشيوخ: من الشيخ أحمد الجابر إلى أمير قطر
بلغت مكانة أحمد بن سلمان الأستاد أن صار صانع سفن الحكّام في المنطقة. فقد بنى في الثلاثينيات يختاً خاصاً للمغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح، وكان مقرباً من الشيخ صباح السالم الصباح رحمه الله. وفي عام 1951م بنى يختاً لأمير قطر الشيخ علي آل ثاني، إلى جانب سفن لعدد من شيوخ إمارات الخليج.

تلاميذه وامتداد مدرسة الأستاد
تتلمذ على يدي أحمد بن سلمان الأستاد عدد من الصنّاع الذين صاروا فيما بعد من أشهر بُناة السفن في الكويت، منهم موسى سبتي سلمان، وعلي الأستاد، وابنه فردان بن أحمد بن سلمان الأستاد. وبهذا لم يكن إرثه سفناً فحسب، بل منهجاً في العمل انتقل بالممارسة اليومية: قياس بالعين، وصبر على الخشب، ورفض تسليم سفينة لا تُرضي صاحبها.
وفاته وإرثه في الذاكرة الكويتية
توفي أحمد بن سلمان الأستاد عام 1959م، بعد أن صار الملهم الأول لصناعة السفن في الكويت والخليج. ومع تحوّل البلاد إلى اقتصاد النفط تراجعت صناعة السفن الخشبية وخفتت أصوات المطارق على السيف، لكن اسمه ظلّ علامة على مرحلة كاملة من تاريخ الكويت البحري، ودليلاً على أن الحرفة حين تُتقن تصنع سمعة أمة لا سمعة رجل واحد.
أسئلة شائعة عن أحمد بن سلمان الأستاد
متى وُلد أحمد بن سلمان الأستاد وأين؟
وُلد في الحي الشرقي من مدينة الكويت بفريج البحارنة، وتذكر أغلب المصادر عام 1884م فيما ترجّح مصادر أخرى عام 1890م، وتوفي عام 1959م.
لماذا لُقّب بـ«الأستاد»؟
«الأستاد» لقب مهني كويتي يُطلق على كبير صنّاع السفن الذي يصمّم السفينة ويشرف على بنائها، تمييزاً له عن «القلاف» الذي ينفّذ العمل اليدوي.
ما أبرز السفن التي بناها؟
من أبرزها بوم عبدالعزيز القطامي، وبوم يوسف بن عيسى القطامي، وجالبوت حجي سليم، ومركب الغانم، إضافة إلى يخت الشيخ أحمد الجابر الصباح ويخت الشيخ علي آل ثاني أمير قطر.
ما سبب حصوله على لقب «خان صاحب»؟
حصل عليه تقديراً لدوره في تجميع سفن الحلفاء وإنشاء الجسور البحرية في شط العرب خلال الحرب العالمية الثانية، وكُرّم من الحكومة البريطانية عام 1946م.